محمد سعيد رمضان البوطي

157

فقه السيرة ( البوطي )

المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى اللّه عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ [ النساء : 33 ] نسخت ، ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 33 ] أي من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث « 1 » . العبر والدلائل : وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ، وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية : أولا : إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها ، ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة ، فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية ، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما ، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة . على أن التآخي أيضا لا بد أن يكون مسبوقا بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها ، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى ، خرافة ووهم ، خصوصا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية . ومن أجل ذلك ، فقد جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليه أفئدة أصحابه ، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند اللّه تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة للّه تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح ، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتّتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه . ثانيا : إن المجتمع - أي مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما من الناس منتثرة متفككة ، بشيء واحد ، هو قيام مبدأ التعاون والتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع ، وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها ، فإن كان هذا التعاون والتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم ، فذلك هو المجتمع العادل السليم ، وإن كان قائما على الحيف والظلم ، فذلك هو المجتمع الظالم والمنحرف .

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التفسير : 5 / 178 .